السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

378

مفاتيح الأصول

بسم اللَّه الرحمن الرّحيم الحمد لله رب العالمين والصّلاة والسّلام على خير خلقه محمد وآله الطَّيبين الطَّاهرين مفتاح لا إشكال في أنه إذا كان الراوي عادلا يقبل روايته ولا في أنه لا يقبل روايته إذا كان فاسقا وقلنا باشتراط العدالة في الراوي وقد صرّح بنفي الخلاف في ذلك جمال الدين الخونساري فقال لا خلاف في عدم قبول رواية من علم فسقه انتهى وهل يقبل روايته على تقدير اشتراط العدالة فيه إذا كان مجهول الحال مع العلم وإيمانه بمعنى إسلامه أنه لم يثبت عدالته ولا فسقه شرعا اختلفوا في ذلك على قولين الأول أنها لا يقبل مطلقا ولو علم إسلامه وإيمانه وهو للمعارج والنهاية والتهذيب والمبادي وشرحه والمنية والمعالم وزبدة البيان والحاشية الجمالية والمنخول والإحكام والمختصر وشرحه وفيه يشترط أن يكون عدلا وأن لا يكون مجهول الحال عند الإمامية والشافعي وأحمد وفي المنية أما المجهول حاله في العدالة والفسق إذا كان معلوم الإسلام فالأكثر على عدم قبول روايته وهو مذهب أصحابنا والشافعي وفي النهاية اختلف النّاس في المجهول حاله هل تقبل روايته فذهب الشافعي وأحمد وأكثر العلماء إلى أنه غير مقبول الرّواية وهو الحق وفي الحاشية الجمالية أن عدم قبول رواية المجهول هو المعروف بين أصحابنا أيضا ويظهر من بعض المتأخرين الميل إلى العمل بخبره ولا يخفى ضعفه وفي الإحكام مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أن مجهول الحال غير مقبول الرّواية الثاني أنها تقبل حيث يعلم إسلامه وهو للمحكي عن أبي حنيفة وأتباعه وفي المعالم واعتبار اشتراط العدالة هو المشهور بين الأصحاب ويظهر من جماعة من متأخريهم الميل إلى العمل بخبر مجهول الحال كما ذهب إليه بعض العامة وفي غاية المأمول وظاهر جماعة من المتأخرين إلى العمل بخبر مجهول الحال وهو اختيار جماعة من العامة انتهى ويمكن استفادة هذا القول من القائلين بكفاية مجرّد الإسلام والإيمان مع عدم ظهور الفسق في ثبوت عدالة الشاهد وقد أشرنا إليهم للأولين وجوه منها ما تمسّك به في التهذيب والمبادي والمنية من أن عدم الفسق شرط لجواز قبول الرّواية لوجوب التثبت عند خبر الفاسق والمجهول حاله لا يعلم عدم فسقه فلا يكون جواز قبول روايته معلوما لأن الجهل بالشرط ملزوم للجهل بالمشروط وقد تمسك بالحجة المذكورة في المعالم أيضا مبيّنا لها بأتم بيان فإنه قال القول باشتراط العدالة عندي هو الأقرب لنا أنه لا واسطة بحسب الواقع بين وصفي العدالة والفسق في موضع الحاجة من اعتبار هذا الشرط لأن الملكة المذكورة إن كانت حاصلة فهو العدل وإلا فالفاسق وتوسّط مجهول الحال إنما هو بين من علم فسقه أو عدالته ولا ريب أن تقدم العلم بالوصف لا مدخل له في حقيقته ووجوب التثبت في الآية معلَّق بنفس الوصف لا بما تقدم العلم به منه ومقتضى ذلك إرادة البحث والتفحص عن حصوله وعدمه ألا ترى أن قول القائل أعط كل بالغ رشيد من هذه الجماعة درهما يقتضي إرادة السؤال الفحص عن جمع هذين الوصفين لا الاقتصار على من سبق العلم باجتماعهما فيه ويؤكد كون المراد من هذه الآية أن قوله تعالى أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين تعليل للأمر بالتثبت أي كراهة أن تصيبوا ومن البيّن أن الوقوع في الندم لظهور عدم صدق المخبر يحصل من قبول إخبار من له صفة الفسق في الواقع حيث لا حجر معها عن الكذب ولا مدخلية لسبق العلم بحصولها في ذلك إذا عرفت هذا ظهر لك أنه يصير مقتضى الآية حينئذ وجوب التثبت عند خبر من له هذه الصفة في الواقع ونفس الأمر فيتوقف القبول على العلم بانتفائها وهو يقتضي بملاحظة نفي الواسطة اشتراط العدالة وبهذا التحقيق يظهر بطلان القول بقبول رواية المجهول لأنه مبني على توسّط الجهالة بين الفسق والعدالة وقد تبين فساده انتهى لا يقال لا نسلم أن عدم الفسق في الواقع شرط في قبول الرواية بل الشرط فيه هو عدم العلم بالفسق وهو حاصل في المجهول الحال فيجب قبول خبره أما الأول فلوجهين أحدهما أن المفهوم من قوله تعالى إن جاءكم إلى آخره إن جاءكم من علمتم بفسقه وذلك لأن الألفاظ موضوعة للمعاني المعلومة لا للمعاني الواقعية وثانيهما ما ذكره في النهاية معترضا على الحجة المذكورة فإنه قال بعد الإشارة إليها فيه نظر لأن الآية دلَّت على أن الفسق شرط التثبت وليس المراد الفسق في نفس الأمر وإلا لزم تكليف ما لا يطاق بل في علمنا وهو يقتضي انتفاء المشروط عند عدم الشرط الذي هو علم الفسق والمجهول ليس معلوم الفسق فلا يجب معه التثبت انتهى لأنا نقول مقتضى ظاهر الآية الشريفة كون عدم الفسق في الواقع شرطا لا عدم العلم بالفسق والوجهان المذكوران لا ينهضان لإثباته لنا الأول فللمنع من أن الألفاظ موضوعة للمعاني المعلومة لأن المتبادر منها المعاني الواقعية بالظاهر ولصحة السلب عن المعاني المعلومة في بعض الوجوه ولأن أهل اللغة إذا ذكروا معنى اللفظ لم يذكروا قيد العلم أصلا ولأنه لو كانت الألفاظ موضوعة للمعاني المعلومة للزم عدم فرض الشّك في تحقيق معانيها وهو باطل بالضرورة ولأنه لو كانت للزم انتفاء معاني الألفاظ بانتفاء العالمين وهو باطل بالضرورة ولأنه لو كانت موضوعة للمعاني المعلومة للزم أن لا يتحقق معنى لفظ لو كان المعتبر علم كل إنسان لامتناعه عادة وللزم أن يتحقق المعنى وأن لا يتحقق لو دار الوضع مدار الاعتقاد وجميع ذلك باطل بالضرورة وبالجملة لا إشكال ولا شبهة في أن الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية لا للمعلومة لا يقال الألفاظ وإن كانت موضوعة